موسوعة الاعجاز العلمي في القرآن والسنة

مجلة اسلامية منوعة لكل مسلمـ


اختلافات في تراجم الكتاب المقدس

اختلافات في تراجم الكتاب المقدس
 

نسخة مخطوطة من الكتاب المقدس موجودة في أحد الأديرة في بريطانيا تعود إلى 1407ميلادية

بقلم اللواء أحمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى

نبدأ الحديث عن نصوص الكتاب المقدس بذكر قاعدة أصولية وضعها علماء الكتاب المقدس، الذين عكفوا على ترجمته إلى الفرنسية، وأخرجوا للناس ما يعرف باسم: الترجمة المسكونية للكتاب المقدس .[1].. ولقد جاءت هذه القاعدة عند الحديث على نص سفر أعال الرسل، إذ يقول نصها:

" ومن أراد أن يطالع مؤلفا قديما، وجب عليه أن يثبت نصه" .[2]..

نصوص العهد القديم:

تقول دائرة المعارف الأمريكية .[3]. "لم تصلنا أي نسخة بخط المؤلف الأصلي لكتب العهد القديم، أما النصوص التي بين أيدينا فقد نقلتها إلينا أجيال عديدة من الكتبة والنساخ.

ولدينا شواهد وفيرة تبين أن الكتبة قد غيروا بقصد أو بدون قصد في الوثائق والأسفار التي كان عملهم الرئيسي هو كتابتها أو نقلها.

وقد حدث التغيير بدون قصد حين أخطأوا في قراءة أو سمع بعض الكلمات، أو في هجائها، أو أخطأوا في التفريق بين ما يجب فصله من الكلمات وما يجب أن يكون تركيبا واحدا.

كذلك فإنهم كانوا ينسخون الكلمة أو السطر مرتين، وأحيانا ينسون كتابة كلمات، بل فقرات بأكلمها.

وأما تغييرهم في النص الأصلي عن قصد فقد مارسوه مع فقرات بأكملها حين كانوا يتصورون أنها مكتوبة خطأ في صورتها التي بين أيديهم.

كما كانوا يحذفون بعض الكلمات أو الفقرات، أو يزيدون على النص الأصلي فيضيفون فقرات توضيحية ..

وهكذا لا يوجد سبب يدعو للافتراض بأن وثائق العهد القديم لم تتعرض للأنواع العادية من الفساد النسخي، على الأقل في الفترة التي سبقت اعتبارها أسفارا مقدسة ...

لقد كتبت أسفار العهد القديم على طول الفترة من القرن الحادي عشر ق.م إلى القرن الأول ق.م وأخذ صورته النهائية في القرن الأول الميلادي ..

وعلى مدى القرون الطويلة التي كتبت فيها أسفار العهد القديم نجد أن نصوصه قد نسخت مرارا وأعيدت كتابتها باليد. ولقد حدثت أخطاء في عملية النسخ، وكان يحدث أحيانا أن بعض المواد التي كتبت على هامش النص تضاف إليه ...

ولقد أكد اكتشاف وثائق البحر الميت .عام 1947. ضرورة إدخال بعض التغييرات على النسخة العبرية الحديثة، في سفر أشعياء".

& & &

ويقولالمدخل إلى العهد القديم .[4]. في ترجمة التوراة للكاثوليك تحت عنوان:

تشويه النص.[5].:

[لا شك أن هنالك عددا من النصوص المشوهة التي تفصل النص المسوري .العبري. الأول عن النص الأصلي. فمن المحتمل أن تقفز عين الناسخ من كلمة إلى كلمة تشبهها وترد بعد بضعة أسطر، مهملة كل ما يفصل بينهما.

ومن المحتمل أيضا أن تكون هناك أحرف كتبت كتابة رديئة فلا يحسن الناسخ قراءتها فيخلط بينها وبين غيرها.

وقد يدخل الناسخ في النص الذي ينقله، لكن في مكان خاطئ، تعليقا هامشيا يحتوي على قراءة مختلفة أو على شرح ما.

والجدير بالذكر أن بعض النساخ الأتقياء أقدموا، بإدخال تصحيحات لا هوتية، على تحسين بعض التعابير التي كانت تبدو لهم معرضة لتفسير عقائدي خطير .[6]..

وأخيرا، فمن الممكن أن نكتشف ونصحح بعض النصوص المشوهة، باللجوء إلى صيغ النصوص غير المسورية، في حال كونها أمنت من التشوه ..

أية صيغة من النص نختار؟ وبعبارة أخرى، كيف الوصول إلى نص عبري يكون أقرب نص ممكن إلى الأصل؟

لم يتردد بعض النقاد في تصحيح النص المسوري، كلما لم يعجبهم، لاعتبار أدبي أو لاعتبار لاهوتي .[7].. وتقيد البعض الآخر، كرد فعل، بالنص المسوري، إلا إذا كان تشويهه واضحا، فحاولوا عندئذ أن يجدوا، بالرجوع إلى التراجم القديمة، قراءة فضلى.

هذه الطرق غير علمية، ولا سيما الأولى منها، فهي ذاتية إلى حد الخطر ..

لكن الحل العلمي الحقيقي يفرض علينا أن نعامل الكتاب المقدس كما نعامل جميع مؤلفات الحضارة القديمة .[8]. أي نضع "شجرة النسب" لجميع ما نملكه من الشهود، بعد أن نكون قد درسنا بدقة فائقة مجمل القراءات المختلفة: النص المسوري، ومختلف نصوص .وادي. قمرا، والتوراة السامرين، والترجمات اليونانية السبعينية .مع مراجعاتها الثلاث المتعاقبة. وغير السبعينية، وترجمات الترجوم الآرامية، والترجمات السوريانية، والترجمات اللاتينية القديمة، وترجمة القديس ايرونيمس، والترجمات القبطية، والأرمنية ... إلخ.

وبهذه المقارنات كلها نستطيع أن نستعيد النموذج الأصلي الكامن في أساس جميع الشهود. وهذا النموذج الأصلي يرقى عادة إلى حوالي القرن الرابع قبل المسيح.

ولسوء الحظ، لم تنشر نصوص قمران كلها إلى اليوم، وهذا العمل النقدي يقتضي من الكفاءات والأبحاث ما يستغرق عشرات السنين] .[9]..

& & &

نصوص العهد الجديد:

إذا كانت دقة النصوص مطلوبة دائما باعتبارها الأساس الذي تقوم عليه العقائد والأحكام المستقاة من كل كتاب مقدس، فإن تلك الدقة قد صارت في المسيحية من ألزم اللزوميات، نظرًا لتأثر مصادرها الأولى تأثرًا عميقاً بالفكر اليوناني وفلسفاته، وخاصة لفظ .اللوغس. ومدلولاته المتنوعة والغامضة.

يقول المدخل إلى العهد الجديد .[10]. في ترجمة الكاثوليك تحت عنوان:

بعض النظرات إلى العالم اليوناني الروماني:

[أخذ الناس، قبل العهد المسيحي بقليل، ينظرون إلى الأباطرة نظرتهم إلى كائنات إلهية، أبناء الله، بل آلهة.

وهذا التطور قد أثرت فيه تأثيرا كبيرا معتقدات الشعوب الشرقية، موافق لمنطق الأمور، فلما كانت الإمبراطورية واحدة، لزم أن تظهر العبادة أساسها الواحد. فضل طيباريوس وقلوديوس وسبسيانس أن يشجعوا عبادة الإمبراطور بعد موته فحسب، في حين أن قليغولا ونيرون ودوميطيانس تركوا الناس يعبدونهم في أثناء حياتهم. تلك بعض أهم صفات العالم الذي كان للمسيحيين الأولين أن يعيشوا فيه، والشهادة التي يعلنونها في إيمانهم هي أن المسيح هو وحده الرب وليس الإمبراطور، فله تجب الطاعة ولو تعرضوا لأن يخالفوا مخالفة صريحة الدين الذي يسود الحياة كلها في بيئتهم].

& & &

لقد تكلم المسيح وتلاميذه الآرامية، بينما جاءتنا أسفار العهد الجديد مكتوبة جميعها بالإغريقية على مخطوطات بالية تختلف نصوصها اختلافا كبيرا.

[ليس في هذه الكتب الخط .المخطوطات. كتاب واحد بخط المؤلف نفسه. وجميع أسفار العهد الجديد، من غير أن يستثنى واحد منها، كتب باليونانية.

وأقدم الكتب الخط، التي تحتوي معظم العهد الجديد أو نصه الكامل، كتابان مقدسان على الرق يعودان إلى القرن الرابع.

وأجلهما المجلد الفاتيكاني، سمى كذلك لأنه محفوظ في مكتبة الفاتيكان.

وهذا الكتاب الخط مجهول المصدر، وقد أصيب بأضرار لسوء الحظ، ولكنه يحتوي على العهد الجديد ما عدا: الرسالة إلى العبرانيين9/14 – 13/25، والرسالتين الأولى والثانية إلى طيموتاوس، والرسالة إلى طيطس، والرسالة إلى فليمون، والرؤيا .[11]..

والعهد الجديد كامل في الكتاب الخط الذي يقال له المجلد السينائي لأنه عثر عليه في دير القديسة كاترينا، لا بل أضيف إلى العهد الجديد: الرسالة إلى برنابا، وجزء من الراعي لهرمس. وهما مؤلفان لن يحفظا في قانون العهد الجديد في صيغته الأخيرة .[12]..

& & &

لقد أساء النساخ كثيرا إلى نصوص العهد الجديد وكان أكبر خطاياهم ما فعلته أيديهم من تغيير وتبديل.

[ إن نسخ العهد الجديد التي وصلتنا ليست كلها واحدة، بل يمكن المرء أن يرى فيها فوارق مختلفة الأهمية، ولكن عددها كثير جدا على كل حال ...

إن نص العهد الجديد قد نسخ ثم نسخ طوال قرون كثيرة بيد نساخ صلاحهم للعمل متفاوت، وما من واحد منهم معصوم من مختلف الأخطاء التي تحول دون أن تتصف أية نسخة كانت، مهما بذل فيها من الجهد، بالموافقة التامة للمثال الذي أخذت عنه.

يضاف إلى ذلك بعض النساخ حاولوا أحيانا، عن حسن نية، أن يصوبوا ما جاء في مثالهم وبدا لهم أنه يحتوي أخطاء واضحة، أو قلة دقة في التعبير اللاهوتي. وهكذا أدخلوا إلى النص قراءات جديدة تكاد أن تكون كلها خطأ.

ومن الواضح أن ما أدخله النساخ من التبديل على مرّ القرون تراكم بعضه على بعضه الآخر، فكان النص الذي وصل آخر الأمر إلى عهد الطباعة مثقلا بمختلف ألوان التبديل ظهرت في عدد كبير من القراءات ] .[13]..

ولقد تبين لعلماء المسيحية استحالة الوصول إلى النص الأصلي مهما بذلوا من مجهودات، ولم يبق، إذن، سوى صرخة حسرة تقول: يا سوء طالعنا!

[ المثال الأعلى الذي يهدف إليه علم نقد النصوص هو أن يمحص هذه الوثائق المختلفة لكي يقيم نصا يكون أقرب ما يكون من الأصل الأول.

ولا يرجى في حال من الأحوال الوصول إلى الأصل نفسه ..

كان الآباء لسوء طالعنا يستشهدون به في أغلب الأحيان عن ظهر قلبهم .من الذاكرة. ومن غير أن يراعوا الدقة مراعاة كبيرة، فلا يمكننا والحالة هذه الوثوق التام في ما ينقلون إلينا] .[14]..

لقد أصبح الحل الذي يراه آباء الكنيسة وعلماء المسيحية إزاء مشكلة النص، هو قبول الوضع الحالي بكل ما عليه من مآخذ، باعتباره أحسن ما استطاعت مجهوداتهم البشرية الوصول إليه.

على أن يستمر هذا الوضع مقبولا إلى الوقت الذي تظهر فيه وثائق جديدة تساعد على إعادة النظر فيه وتطويره ليكون أقرب ما يكون إلى ذلك الأصل المجهول، بعد تنقيته من التحريف الذي لحق به!

[ هدف أصحاب النقد الباطني أن يوضحوا بجلاء نوع التدخل الذي قام به الناسخ، والأسباب التي دعته إلى ذلك التدخل. فيسهل بعد ذلك الارتقاء إلى القراءة القديمة التي تفرعت منها سائر الروايات المحرفة. وبوسعنا اليوم أن نعد نص العهد الجديد نصا مثبتا إثباتا حسنا، وما من داع إلى إعادة النظر فيه إلا إذا عثر على وثائق جديدة] .[15]..

إن الإنسان لا يجاوز الحقيقة إذا قال تعقيبا على هذه الأقوال التي جاءت من مصادر مسيحية موثوقة: إنالعهد الجديد الحالي هو عهد جديد مؤقت!

إنه معرض للتغيير والتبديل حسبما تأتي به الأيام!

الإعجاز الغيبي: 

وإذا كان هذا هو ما آلت إليه آراء الذين أوتوا العلم من "أهل الكتاب" في كتابهم المقدس، فماذا قال القرآن منذ 14 قرنا؟

لقد قال في الذين استحفظوا كتاب الله ولم يراعوا أماناتهم وعهدهم:

{ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ}[المائدة: 13].

الحق إنها لمعجزة لمن لا يزال يطلب المعجزات سبيلا للإيمان بالله الواحد الأحد.

إن "المدخل إلى العهد الجديد"لم يجد كلمة غير "التحريف"يصف بها ما أصاب نصوصه التي بين أيدي الناس. وهو ما تبينه الصورة الزنكغرافية المنشورة في الصفحة التالية.

وبين القرآن أن منهم من كان يضيف إلى كلام الله وينقص منه ما شاء له هواه، ولقد رأينا ذلك رأي العين:

{فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ}[البقرة:79].

{وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 78].

ومنهم من كتب الكلام المقدس حسب ظنه، دون تثبت ويقين.

{وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا}[النجم: 28].

{وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ }[البقرة: 78].
 

حمل كتاب اختلافات في تراجم الكتاب المقدس وتطورات هامة في المسيحية

على شكل ملف ورد غير مضغوط 400كيلوا   

   على شكل ملف ورد مضغوط 90كيلو

(0) تعليقات


الرد على القاديانية ـ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ

الرد على القاديانية ـ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ

قال الله تعالى:﴿ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (الأحزاب:40)، فنفى سبحانه أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم أبا أحد من رجال المخاطبين، وأثبت كونه رسول الله، وخاتم النبيين. وقد جاء هذا النفي ردًّا على المنافقين واليهود، الذين قالوا: تزوج محمد حليلة ابنه زيد، وهي زينب- رضي الله عنها- التي تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن طلقها زيد بن حارثه، وهو ابنه بالتبني. وكان الهدف من هذا الزواج هو إبطال فكرة التبني، التي كانت سائدة في المجتمع الإسلامي وقتئذ.

وقوله تعالى:﴿ وَلَكِنْ رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ  استدراكٌ، الغرضُ منه: بيانُ إجمال النفي قبله، ورفعُ ما قد يُتَوَهَّمُ مِن نفي أبوته عليه الصلاة والسلام، من انفصال صلة التراحم والبِّرِ بينه، وبين الأمة، فذُكِّروا بأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو كالأب لجميع أمته في شفقته ورحمته بهم، وفي برِّهم وتوقيرهم إياه، شأن كل نبيٍّ مع أمته. وأنه خاتم النبيين؛ وذلك لأن النبي، الذي يكون بعده نبيٌّ، إن ترك شيئًا من النصيحة والبيان، يستدركه من يأتي بعده. وأما من لا نبيَّ بعده يكون أشفق على أمته، وأهدى لهم وأجدى؛ إذ هو كالوالد لولده، الذي ليس له غيره من أحد.

فكونه عليه الصلاة والسلام { رَّسُولَُ اللَّهِ، وَخَاتَمَُ النَّبِيِّينَ }، يفيد أنه ليس بأب شرعي لأحد من رجالهم، وأنه أب للمؤمنين جميعًا، وأن الصلة بينه، وبينهم هي صلة النبي بأمته. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه لو كان عليه الصلاة والسلام أبًا لأحد من رجالهم، لما صحَّ أن يكون خاتم النبيين والمرسلين؛ لأنه لو ثبت أنه أبٌ شرعي لأحد منهم؛ كزيد بن حارثة مثلاً، لربما خلفه في النبوة، فلا يكون حينئذ خاتم النبيين والمرسلين.

ومعنى كونه عليه الصلاة والسلام { خَاتَمَ النَّبِيِّينَ } أن النبوة ختمت بنبوته، فلا نبي بعده إلى أن تقوم السَّاعة. أي: أنه لا تبدأ نبوة، ولا تشرَّع شريعة بعد نبوته وشرعته، فهو آخر الأنبياء عليهم السلام. ويلزم من كونه صلى الله عليه وسلم { خَاتَم النَّبِيِّينَ } كونه { خَاتَم المُرْسَلينَ }؛ إذ لا رسالة إلا بنبوة. ولهذا يقال: كل رسول نبيٌّ، وليس كل نبيٍّ رسولاً. 

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه، حين خلَّفه في أهله في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله ! تخرج، وأقعد مع النساء والولدان ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:« أما ترضى أن تكون منِّي بمنزلة هارون من موسى؛ إلا أنه لا نبيَّ بعدي». فرضي عليٌّ، رضي الله عنه.

وثبت عنه أيضًا قوله:« أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الحاشر، الذي يُحشَر الناس على قدمي، وأنا العاقبُ، الذي ليس بعدي نبيٌّ ». فذكر عليه الصلاة والسلام من أسمائه:{ العاقب }، وبيَّنه بقوله:« الذي لا نبيَّ بعده »، فدل بذلك على أنه آخر الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام؛ لأن كل رسول نبيٌّ، فلا يبعَث بعده، لا رسولٌ، ولا نبيٌّ. فمن ادَّعى النبوة والرسالة بعده، أو صدَّق مُدَّعِي النبوة بعده، فهو كافر بالله عز وجل، مكذب لله ولرسوله، ولإجماع المسلمين، ويجب أن يُقَصَّ عنقُه، إلا أن يتوب ويرجع.

فإن قيل: إن عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام ينزل آخر الزمان وهو رسول. فالجواب: أنه لا ينزل على أنه رسول مجدِّد؛ بل ينزل على أنه حاكم بشريعة النبي محمد عليه الصلاة والسلام؛ لأن الواجب على عيسى، وعلى غيره من الأنبياء- عليهم السلام- الإيمانُ بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ كما قال الله تعالى:﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ ﴾(آل عمران:81). وهذا الرسول المصدق لما معهم هو محمد صلى الله عليه وسلم؛ كما صحَّ ذلك عن ابن عباس وغيره.

وروى نعيمٌ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرجَ دَجَّالُونَ، كَذَّابُونَ، قَرِيبٌ مِن ثَلاَثِينَ، كُلُّهُم يَزْعَمُ أَنَّهُ نَبِيٌ، وَلا نَبِيَّ بَعْدِي ».

فأخبر صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بظهور المتنبِّئين الكَذَبَة، الذين يدَّعون النُبُوَّة. وقد حصل ما أخبر به صلى الله عليه وسلم، وأول من ظهر في حياته صلى الله عليه وسلم اثنان: مُسَيْلِمةُ الكذَّابُ في اليَمامَة، والأسودُ العَنْسِيُّ في اليمن. أما الأسود العَنْسِيُّ فقد قتله المسلمون قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم. وأما مُسَيْلِمةُ الكذَّابُ فإنه قد تبعه قوم من أهل اليمامة، ولما بُويِع أبو بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه- بالخلافة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم, جهَّز له الصدِّيق جيشًا من المسلمين من المهاجرين والأنصار بقيادة خالد بن الوليد. وحصل قتال شديد جدًّا، وقُتِلَ فيه من المسلمين، ومن أفاضلهم، ومن قُرَّاءِ القرآن العددُ الكثير؛ ولكن في النهاية قتل الله مُسَيْلِمةَ الكذَّابَ، وأراح الله المسلمين من شرِّه.ثم ظهر طُلَيْحةُ الأَسَدِيُّ، وادَّعى النُبُوَّةَ، وظهرت سَجَاحُ التميمية، وادَّعت النُبُوَّةَ؛ ولكن الله منَّ على طُلَيحَةَ، فتاب إلى الله عز وجل، وجاهد في سبيل الله، وتوفي على الإسلام. وكذلك سَجَاح تابت إلى الله عز وجل. ثم ظهر المختار بن أبي عُبَيْدٍ الثقفيِّ في خلافة عبد الملك بن مروان، وادَّعى النُبُوَّةَ، وقتله الله سبحانه وتعالى على أيدي المسلمين. وقال أبو حيان: وكان في عصرنا شخص من الفقراء، ادَّعى النُبُوَّةَ بمدينة مالقة، فقتله السلطان ابن الأحمر، ملك الأندلس بغرناطة، وصلب إلى أن تناثر لحمه .

ولا يزال المتنبِّئون الكذَبَةَ يظهرون بين الحين، والآخر، إلى أن ظهر منذ سنين رجلٌ في الهند يسمَّى: ميرزا غُلامُ أحمد القادْيانيّ، ادَّعى النُبُوَّةَ، بحماية من الحكام الإنجليز، وبمساندتهم، وكان أول ما بدأ به أن كتب كتابًا، سمَّاه: البراهين الأحمدية، يرد فيه على اليهود والنصارى؛ ليوهم الناس أنه من المدافعين عن الدين. وبعد فترة ادَّعى أنه مجدِّدُ القرن. ثم ادَّعى أنه المهدي. ثم ادَّعى أنه المسيح. ثم ادَّعى النبوة بوضوح، وأنه رسول من عند الله. فلما مات عثِر على آثاره، وجمعت كتبه، فوجد فيها رسالة بعث بها إلى الحكومة الإنجليزية، وهي بخطه يقول فيها:إنني قد كتبت في مدح، وتأييد الحكومة الإنجليزية، وحثِّ المسلمين في الهند على الولاء لها، ما يعادل، لو جمع، أكثر من خمسين خزانة.. وإني قد دعوتهم في كل مكان إلى أن يتركوا الجهاد، وأن يخلصوا الولاء لهذه الدولة حفظها الله، وحرسها .  

واستطاع أن يجمع حوله شرذمة من الناس، عرفوا بالقادْيانيَّة، والأحمديَّة، نسبة إلى بلدة قاديان في ولاية البنجاب من بلاد الهند، وإلى مؤسسها: أحمد القادْيانيّ. وقد تحمَّس هؤلاء في تأييد صاحبهم؛ لجهلهم بأصول الدين، ولطمعهم في المكاسب من قبل المستعمر الإنجليزي، الذي كان يستعمر الهند. والقاديانية، أو الأحمديَّة هي إحدى فرق الباطنيَّة، وأحدثها عهدًا، وأقربها ظهورًا. ومن أهم أركان دينها إنكار الجهاد. وترجموا القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية، وتُجمِع ترجماتهم للقرآن، ومنها ترجمة محمد علي اللاهوري، وترجمة ملك غلام فريد، وترجمة السير ظفر الله خان، على أن باب النبوة لم يُغْلَقْ. وتأولوا قوله صلى الله عليه وسلم:« لا نَبِيَّ بعدي » بقولهم: لا نَبِيَّ معي. وتأولوا قوله تعالى:﴿ وَلَكِنْ رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ بأن المعنى: زينة النبيين، وليس آخرهم.

وهذا التأويل لا يصحُّ إلا في لغة الأعاجم، وأما في اللغة، التي أنزل الله تعالى بها القرآن، فلا يصحُّ أبدًا؛ بل لا يجوز؛ لأنه تحريف للكلم عن مواضعه. ولا يقول: إن بعدي، بمعنى: معي، وأن{ الخاتَم } بمعنى:{ الزينة }، إلا جاهل بلغة العرب، أو متجاهل خبيث شرير، غرضه إثارة الشبهات، ووضع السمِّ في الدَّسَم، ولا يخفى ذلك إلا على ضعاف النفوس والإيمان.

وفي الردِّ على هذه الشبهة الواهيَة أقول بعون الله وتعليمه إضافة إلى ما تقدَّم:

الخاتَِم، بفتح التاء وكسرها، اشتقاقهما من الخَتْمِ. والختم- في اللغة- ينبئ عن إتمام الشئ، وبلوغ آخره. يقال: فلانٌ خَتَمَ عليك بابه، إذا أعْرَض عنك. وخَتَمَ فلانٌ لك بابَهُ، إذا آثرَك على غيرك. وخَتَم فلانٌ القُرآن، إذا أتمَّ قراءته، أو حفظه إلى آخره. وخاتِمة السورة: آخرها. واخْتَتَمَ الشيء نَقيض افتَتَحه. وخاتَم كل شيء، وخاتِمه، وخِتامه: عاقبتُه وآخرهُ. وخِتامُ الوادي: أقصاه. وقوله تعالى:﴿ خِتَامُهُ مِسْكٌ (المطففين:26). أي: آخرُ ما يجدونه منه عند شربهم إياه رائحةُ المسك. ويقرأ:{ خَاتِمهُ مِسْكٌ }. أي: عاقبتُه ريحُ المسك. وخِتامُ كلِّ مشروبٍ، وخاتَِمُه: آخِرُه. وقال الفراء: قرأَ عليٌّ عليه السلام:{ خَاتِمُه مِسْكٌ }، وقال: أَما رأَيتَ المرأَةَ تقول للعطَّار: اجعلْ لي خَاتِمَه مِسكًا. تريد: آخرَه ؟ وقال الفراء: والخاتِمُ والخِتامُ متقاربان في المعنى، إِلاَّ أَن الخاتِمَ: الاسمُ، والخِتام: المصدر.

وحقيقةُ الخَتْمُ: السَّدُّ على الإناء، والغَلْقُ على الكتاب، بطين ونحوه، مع وضع علامة مرسومة في خاتَم؛ ليمنع ذلك من فتح المختوم. فإذا فُتِح علم صاحبه أنه فتِح، لفسادٍ يظهر في أثر النقش. وقد اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتَمًا لذلك. وقد كانت العرب تختم على قوارير الخمر؛ ليصلحها انحباس الهواء عنها، وتسلم من الأقذار في مدة تعتيقها. والخَتْمُ: أَفواه خَلايا النَّحْل. والخَتْمُ أَن تَجمع النحلُ من الشَّمَع شيئًا رقيقًا، أَرقَّ من شَمَع القُرْص، فَتَطْلِيَه به.

والخاتَم، بفتح التاء، الطين الموضوع على المكان المختوم. وأطلق على القالَبِ المنقوش فيه علامة، أو كتابة، يطبَع بها على الطين، الذي يُختَم به، بحيث لا يخرج منه شيء، ولا يدخل فيه شيء. والخِتام: الطين الذي يُخْتَمَ به على كتابٍ. ويقال: هو الخَتْم، يعني: الطين الذي يُختَم به. والخِتَامُ هو أن تُثار الأرضُ بالبَذرِ حتى يصير البذرُ تحتها، ثم يسقونها. وخَتْمُ البَذر: تغطيته؛ ولذلك قيل للزَّارِعِ: كافرٌ؛ لأنه يغطِّى البَذْر بالتراب. قال الله  تعالى:﴿ خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ﴾(البقرة:7)، فجعل على قلوب الكافرين، وأسماعهم خَتْمًا؛ كختم الطين على الجرَّة؛ ليكون لها مانعًا، يمنعها من ألَّا يدخل فيها شيء، أو يخرج منها شيء. أما أبصارهم فجعل عليها غشاوة؛ لتكون مانعة لها من الرؤية منعًا، لا يكون معه إلا العمى؛ وذلك لأنهم لم يؤمنوا. وقال تعالى:﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (المنافقون:3)، فجعل على قلوب المنافقين طابعًا، يمنعها من الفهم والعقْل منعًا، لا يرقى إلى المنع بالختم، وبالغشاوة؛ لأنهم آمنوا، ثم كفروا.

وقوله تعالى:﴿ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ ﴾(يس:65). أي: نمنعهم من الكلام. والختم على الأفواه، والقلوب قريب معناه من القَفْل. والخَاتَم والخَاتِمُ: من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم، وسمِّي بذلك لأن الله تعالى ختم به الأنبياء والرسل، وتمَّمَهم به، بحيث لا يأتي بعده نبيٌّ، ولا يبعث ممَّن قبله نبيٌّ؛ كما يختم بالطين على الجرَّة، بحيث لا يدخل فيها شيء، ولا يخرج منها شيء، فليُتأمَّل ! ويدل على ذلك قراءة ابن مسعود رضي الله عنه:{ ولَكِنْ نَبِيًّا خَتَمَ النَّبَيِّينَ }.

وجاء في تُحْفَةِ الأَحْوَذِيِّ: الخاتِمُ، بكسر التاء. أي: فَاعِلُ الخَتْمِ، وهو الإِتْمَامُ، والبُلُوغُ إلى الآخر، وبفتح التاء، بمعنى الطَّابَعِ، ومعناهُ: الشيءُ الذي هو دليلٌ على أنه لا نَبِيَّ بعده. وقال القاضي البَيْضَاوِيُّ: خَاتِمُ النُّبُوَّةِ أَثَرٌ بين كتفيه، نُعِتَ به في الكتب المتقدِّمة، وكان علامةً يُعْلَمُ بها أنه النَّبِيُّ الموعود، وصيانةً لنُبُوَّتِهِ عن تطرُّق القدْح إليها صيانةُ الشيءِ المُسْتَوْثَقِ بالخَتْمِ. ذكره العَيْنِيُّ .

وفي المستدرك على الصحيحين، عن جابر بن سمرة، قال: رأيت خاتمًا في ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كأنه بيضة حمام . وفي الصحيحين عن السائب بن يزيد قال: ذهبت بي خالتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن ابن أختي وجعٌ، فمسح رأسي ودعا لي بالبركة، ثم توضأ، فشربت من وضوئه، ثم قمت خلف ظهره، فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه، مثل زر الحجلة . وزر الحجلة: بيضتها. والحجلة طائر كالحمام.

وفي المستدرك على الصحيحين، عن علباءَ بن أحمرَ اليَشْكُرِيِّ، قال: حدثني أبو زيد عمرو بن أخطب الأنصاري قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يا أبا زيد ! ادْنُ ، فامسحْ ظهري »، فمسحت ظهره، فوقعت أصابعي على الخاتم، فغمزتها. فقيل له: وما الخاتم؟ قال: شعر مجتمع عند كتفه . والغمز: الإشارة، والجسُّ، والضغط باليد، أو العين.

وفي الشمائل المحمدية للترمذي، عن أبي نضرة العوقي قال: سألت أبا سعيد الخدري عن خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: خاتم النبوة، فقال: كان في ظهره بَضْعةٌ ناشِزَةٌ . والبَضْعةُ، بفتح الباء، قطعة لحم، وناشزة: مرتفعة من اللحم.

وفي فيض القدير:قال القرطبي: اتفقت الأحاديث الثابتة على أن الخاتم كان شيئًا بارزًا أحمرَ عند كتفه الأيسر، قدْرُه، إذا قلل كبيضة الحمامة، وإذا كثر جَمْعْ اليد. وفي الخاتم أقوال متقاربة، وعد المصنِّف وغيره جَعْلَ خاتم النبوة بظهره، بإزاء قلبه، حيث يدخل الشيطان، من خصائصه على الأنبياء، وقال: وسائر الأنبياء كان خاتمهم في يمينهم . وقال الشيخ السهيلي رحمه الله: وضِع خاتم النبوة عند كتفه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه معصوم من وسوسة الشيطان، وذلك الموضع يدخل منه الشيطان . 

نسأل الله تعالى أن يلهمنا الصواب والسداد في القول والعمل، ونعوذ به من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، فمن يضلل الله فلا هادي له، ومن يهد فلا مضل له، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

مواضيع ذات صلة :

(0) تعليقات


تكون الجنين / دراسة مقارنة بين القرآن الكريم والعهد القديم

تكون الجنين / دراسة مقارنة بين القرآن الكريم والعهد القديم
 

صورة لجنين بشري وهو في بطن أمه

إعداد: د. عبد الرحيم الشريف

دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن الكريم

ملخص البحث:

أول ما يخطر ببال المسلم حين يدعو غير المسلم ـ مستخدماً وسيلة الحديث عن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم ـ هو بيان سبق القرآن الكريم في تحديد مراحل تكوُّن الجنين، بدقة ودون أي خطأ.

لكنه قد يُفاجأ بمن يزعم أن هذا الإعجاز مسبوق في الكتب المقدسة لليهود والنصارى، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم قد أخذ ذلك عنهم.

من هنا جاءت هذه الدراسة لعرض تلك الشبهة وبيان ضعفها، والله ولي التوفيق.

مقدمة:

يُقصَد بالإعجاز العلمي في القرآن الكريم: اشتماله على إشارات تدل على معارف إنسانية اكتشفت حديثاً، وحقائق كونية لا يُتصَوَّر أن يتوقعها بشر من ذاته؛ لأنها اكتشِفت في عصور متأخرة.[1]

ولما كان بيان أوجه إعجاز القرآن الكريم، والكشف عن آياته البديعة، من أهم واجبات الأمة الإسلامية[2]، كان الدفاع عنها له الحكمُ ذاته، إن لم يكن أوجب.

فمنذ بداية التحدي بالقرآن الكريم، أخذ أعداء الإسلام يوجهون سهامهم إلى المحتوى المعجز للقرآن الكريم، محاولين النيل من هيبته في نفوس المؤمنين به ـ ومن يفكر في الإيمان به ـ بشتى الطرق.

ويُعَدُّ محتوى القرآن الكريم ـ سبب عزة الأمة العربية الإسلامية ونهضتها ـ شوكةً في حلق كل من تسول له نفسه التشكيك بإلهية مصدره، وتميز أسلوبه.. فكان ـ ومازال وسيبقى ـ الكتاب السماوي الوحيد الذي يحمل دليل صدقه بين دفتيه.

عرض الشبهة:

من الأمثلة على ما سبق، مقارناتٍ تُعقَد ـ بين حين وحين ـ بين أوجه الإعجاز الثابتة في القرآن الكريم ومزاعم إعجاز سبقت في كتب السابقين. وفي هذه الدراسة تحليل ونقد لما ورد في أحد مواقع الإنترنت الناطقة بالعربية حول أشهر دلائل الإعجاز العلمي في القرآن الكريم وهو: سبقه في تحديد مراحل خلق الجنين بدقة، بحسب محاضرات شهيرة لعالم الأجنة (كيث مور) عام 1404 هـ بعنوان:" مطابقة علم الأجنة لما في القرآن والسنة "، عُقِدت في ثلاث كليات طبية بالمملكة العربية السعودية، ومما جاء في ذاك الموقع التنصيري:

" وقعت على موقع إسلامي يسمي نفسه باسم " الإعجاز العلمي في القرآن " وكان يعرض المعجزة العلمية في قوله تعالى (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين، ثم خلقنا النطفة علقة، فخلقنا العلقة مضغة، فخلقنا المضغة عظاماً، فكسونا العظام لحما) سورة المؤمنون،12 ـ14

ومن أجل التفسير العلمي الأكاديمي، الذي لا يقبل الشك، فقد استقدم الموقع (أحد أكبر أساتذة علم الأجنة من أمريكا) والذي تقول الرواية، أنه " ذُهل " عندما علم أن هذه الحقائق العلمية ..

والواقع أن النص القرآني[3] (الذي حمله الفقهاء أكثر مما أراد الله نفسه) لم يورد أية معلومة جديدة، بل خاطب الناس بالمعلومات المتوافرة في عصرهم، ليبين لهم قدرة الله، وليس ليمنحهم معلومات في علم الأجنة، فمعلومة أن الجنين يوجد كاملا في نطفة الرجل، معلومة معروفة منذ زمن التوراة، وقد وردت في سفر أيوب على النحو التالي: ألم تصبني كاللبن، وخثرتني كالجبن، كسوتني جلداً ولحما، فنسجتني بعظام وعصب، سفر أيوب 10/12 ".

نـقـد الشـبهة:

والرد على تلك الشبهة من وجوه:

-   الوجه الأول:

بيان نظرة الكتاب المقدس لليهود والنصارى إلى أصل الجنين:

في العهد الذي جُمِعت فيه أسفار العهد القديم، كانت نظرية " الجنين القزم " أقوى النظريات الفلسفية حول أصل ونشوء الجنين، وهي تزعم أن الإنسان حينئذٍ يكون كامل الخِلقة ولكنه ينمو باضطراد كما تنمو الشجرة الصغيرة إلى أن تكبر.

نظرية الجنين القزم كانت ترى أن الإنسان يكون على شكل إنسان مصغر في نطفة الرجل (جنين قزم) ثم ينموا في داخل رحم المرأة

لكن الفلاسفة تنازَعوا في شأنها وانقسموا إلى مذهبين:

هل الإنسان يوجد كاملاً في الحيوان المنوي للرجل ؟ أم كاملاً في دم حيض المرأة يشتد عُودُه بعد أن ينعقد بسبب ماء الرجل ؟

فبحسب الأول: الإنسان يكون كامل الأعضاء قزماً في الحيوان المنوي، ولكن الجنين صغير الحجم، لا ينمو إلا في تربة خصبة  (الرحم).

أما الثاني: الإنسان يكون كامل الأعضاء قزماً في دم الحيض، لكنه ينتظر المني ليقوم بمهمة عقدِ الجنين وتغليظ قوامه.

كما تفعل الإنفحة[4] بالحليب (اللبن)، فتعقده وتحوله إلى جبن.. فليس للمني دَورٌ سوى أنه ساعد كمساعدة الإنفحة للحليب (اللبن) في صنع الجبن (التخثير كالجبن).

وعند البحث في كتب التاريخ، نجد أنه لم يقل أحد من علماء الغرب الموثوق بعلمهم، إن الجنين ناتج عن التقاء الحيوان المنوي للرجل مع بويضة المرأة قبل سنة 1775م. وتم تأكيد هذه النظرية في بداية القرن العشرين عند اكتشاف الكروموسومات.[5]

بينما القرآن الكريم سبق إلى تقرير ذلك، بأن أكد أن الجنين يتكون بسبب النطفة الأمشاج (المختلطة)[6] بين نطفة الرجل، وبويضة المرأة. قال تعالى:  (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ"  نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ) [الإنسان: 2]. وبيَّن أنه ينتقل من طَور إلى طَور: (مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا"، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ) [نوح: 13، 14]، لا جنيناً قزماً.

مصداقاً لقوله تعالى في سورة الحج:  (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا (5).

وفي سورة المؤمنون: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) .

وقد كانت نظرية الجنين القزم ـ بشقيها ـ راسخة كأنها حقيقة ثابتة لا جدال فيها، لكن ذلك لم يمنع علماءنا الكرام من تقديم النص القرآني عليها، ومنهم:

- ابن حجر في مقدمة شرحه لكتاب القدر في صحيح البخاري:" وزعم كثير من أهل التشريح: أن مني الرجل لا أثر له في الولد، إلا في عقده. وأنه إنما يتكون من دم الحيض، وأحاديث الباب تُبطِلُ ذلك ".[7]

- وابن القيم: " الجنين يُخلق من ماء الرجل وماء المرأة، خلافاً لمن يزعم من الطبائعيين، أنه إنما يخلق من ماء الرجل وحده ".[8]

- والقرطبي: " بَيَّنَ الله تعالى في هذه الآية [يقصد قوله تعالى في سور الحجرات: إِنّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىَ  (13) ] أنه خلق الخلق من الذكر والأنثى.. وقد ذهب قوم من الأوائل، إلى أن الجنين إنما يكون من ماء الرجل وحده، ويتربى في رحم الأم ويستمد من الدم الذي يكون فيه.. والصحيح: أن الخلق إنما يكون من ماء الرجل والمرأة؛ لهذه الآية، فإنها نصٌّ لا يحتمل التأويل ".[9]

فــائـدة:

من هنا يتبين أن علماء الإسلام يُقدِّمون الثابت القطعي من النصوص، على الظني من النظريات العلمية. كما يدل على قوة رأي علماء التشريح ـ في ذلك الزمان ـ الذين قالوا بنظرية الجنين القزم.

لكن قوة ذلك الرأي، لم تمنع علماءنا من تقديم النص القطعي على النظرية العلمية الظنية.. وفي ذلك درس بليغ لمن يتصدى للبحث في الإعجاز العلمي، فالأولوية للنص القرآني ولابد أن العلم سيكشف أن النص القرآني هو الأحكَم والأعلم.(َلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك: 14].

ومن المخالفات العلمية المنهجية في موقع الإنترنت التنصيري الذي أثار تلك الشبهة: عدم الرد العلمي لما ورد في المحاضرة الشهيرة لعالم الأجنة (كيث مور) ومنه:

" لم تضِف في العصور الوسطى معلومات ذات قيمة في مجال تخلق الجنين، ومع ذلك فقد سجل القرآن الكريم في القرن السابع ـ وهو الكتاب المقدس عند المسلمين ـ أن الجنين البشري يتخلق من أخلاط تركيبية [أمشاج] من الذكر والأنثى..

وأول من درس جنين الدجاجة باستخدام عدسة بسيطة هو (هارفي) Harvey عام 1651 م، ودرس كذلك أجنة حيوان (الأيل). ولصعوبة معاينة المراحل الأولى للحمل، استنتج أن الأجنة ليست إلا إفرازات رحمية.

وفي عام 1672م اكتشف (جراف) Graaf حويصلات في المبايض ما زالت تسمى باسمه Graafian Follicles ، وعاينَ حجيراتٍ في أرحام الأرانب الحوامل تماثلها، فاستنتج أن الأجنة ليست إفرازات من الرحم وإنما من المبايض.

وفي عام 1675م عاين (ملبيجي) Malpighi أجنة في بيض دجاج ظنه غير محتاج لعناصر تخصيب من الذكر، واعتقد أنه يحتوى على كائن مصغر ينمو ولا يتخلق في أطوار.

وباستخدام مجهر أكثر تطوراً اكتشف (هام) Hamm و(ليفنهوك) Leeuwenhoek الحوين المنوي للإنسان للمرة الأولى في التاريخ عام 1677م ولكنهما لم يدركا دوره الحقيقي في الإنجاب، وظنا أيضاً أنه يحتوي على الإنسان مصغراً لينمو في الرحم بلا أطوار تخليق [ الجنين القزم].

وفي عام 1759م افترض (وولف) Wolff تطور الجنين من كتل أولية التكوين ليس لها هيئة الكائن المكتمل.

عام 1775م انتهى الجدل حول فرضية الخلق المكتمل ابتداءً، واستقرت نهائياً حقيقة التخليق في أطوار. وأكدت تجارب (إسبالانزاني) Spallanzani على الكلاب على أهمية الحوينات المنوية في عملية التخليق.. وقبله سادت الفكرة بأن الحوينات المنوية كائنات غريبة متطفلة، ولذا سميت بحيوانات المني Semen Animals.

عام 1827م ـ بعد حوالي 150 سنة من اكتشاف الحوين المنوي ـ عاينَ (فون بير) von Baer البويضة في حويصلة مبيض إحدى الكلاب.

عام 1839م تأكد (شليدن) Schleiden و(شوان) Schwann مِن تكوُّن الجسم البشري من وحدات بنائية أساسية حية ونواتجها، وسميت تلك الوحدات بالخلايا، وأصبح من اليسير لاحقاً تفهُّم حقيقة التخلق في أطوار من خلية مخصبة ناتجة عن الاتحاد بين الحوين المنوي والبويضة..

عام 1878م اكتشف (فليمنج) Flemming الفتائل الوراثية Chromosomes داخل الخلايا.

عام 1883م اكتشف (بينيدن) Beneden اختزال عددها في الخلايا التناسلية.

وفي القرن العشرين تم التحقق نهائياً من احتواء الخلية البشرية الأولى Zygot على العدد الكامل من تلك الأخلاط الوراثية من الذكر ومن الأنثى وعُرِفَ عددها " .[10]

وهذا ما أكده د. عدنان الشريف بقوله: " إذا استثنينا علماء المسلمين الذين شرَحوا تكون الجنين، من خلال شرحهم الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي تطرقت إلى هذا العلم، فلقد ظلت الإنسانية حتى أواسط القرن التاسع عشر تأخذ بمعلومات خاطئة عن تكون الجنين. لقد كتب أرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد ـ وهو الذي ظلت كتبه وآراؤه مقدسة في الأوساط العلمية حتى القرن السابع عشر ـ أن الجنين يتخلق من اتحاد المني مع دم الحيض.. ويكفي [لنقده] التذكير بقوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) [البقرة: 222]..

وكتب الطبيب (مَلبيجي) Malpighi في سنة 1675م أن البويضة تحمل الجنين بصورة مصغرة، وأن السائل المنوي لا وظيفة له إلا تنشيط البويضة. واعتقدَ العالمان(هام وهوك) ـ مكتشفا المجهر والحيوان المنوي ـ أن الجنين موجود بصورة مصغرة جداً في الحيوان المنوي، ولا وظيفة للبويضة إلا في تغذيته وتنشيطه ".[11]

-   الوجه الثاني:

سَبْق القرآن الكريم في بيان أن نطفة الرجل هي التي تقرر جنس الجنين: (وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى) [النجم: 45، 46].

كما أشار القرآن الكريم إلى أن غدد الذكر الجنسية المنتجة للخصيتين تنشأ من منطقة الظهر: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ).. [الأعراف: 172].

إضافة إلى السبق في دقة وصف وترتيب كل مرحلة من مراحل خلق الجنين: النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة، ثم العظام، ثم كسو اللحم العضلات، ثم الإنشاء خلقاً آخر.[12]

قال تعالى في سورة المؤمنون:(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ..(14)).

أين هذا الإعجاز الفريد مما جاء من تخيلات وأفكار مغلوطة في كتب الأقدمين ؟!

-   الوجه الثالث:

التحريف الواضح المقصود في النقل عن العهد القديم:

من يراجع النص المذكور سابقاً من العهد القديم، يتأكد له التحريف وعدم صدق النقل. كما يؤكد استمرار التحريف المقصود: ما زعمَ القمُّص[13] زكريا بطرس في  موقع إنترنت تنصيري آخر:

" أقول لك هذه الآيات القرآنية، أليست هي: سورة المؤمنون 12 ـ 14 "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين" ، ثم جعلناه نطفة (المني أي الحيوان المنوي) في قرار مكين، ثم خلقنا النطفة علقة (قطعة الدم التي يتكون منها الجنين)فخلقنا العلقة مضغة (قطعة من اللحم) فخلقنا المضغة عظما فكسونا العظم لحما ثم أنشأناه خلقا آخر..." وسورة النحل 4 "خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين" " وسورة الحج 5 "... فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مُخَلَّقَةٍ  لنبين لكم، ونُقر في الأرحام ما نشاء، إلى أجل مسمى، ثم نخرجكم طفلا، ثم لتبلغوا أشُدَّكُم.." وسورة القيامة37  "ألم يك نطفة من مًنِيِّ يُمنَى" والواقع يا عزيزي أن القرآن ليس أول من ذكر أطوار خلقة الإنسان، وإليك الحقيقة:

من الكتاب المقدس: (في سفر أيوب 1 / 8ـ12) "يداك كونتاني وصنعتاني كلي... إنك جبلتني كالطين... ألم تَصُبَّني كاللبن (السائل المنوي)، وخثرتني كالجبن (أي صار كياني مثل قطعة الجبن)، كسوتني جلدا ولحما، فنسجتني بعظام وعصب، منحتني حياة ورحمة، وحفظت عنايتك روحي". {كتب سفر أيوب بما يزيد عن (2000) سنة قبل الميلاد أي قبل الإسلام بما يزيد عن 2600 سنة}

(مزمور 139/ 13ـ16) "... نسجتني في بطن أمي، أحمدك لأنك صنعتني بإعجازك المدهش، لم تختفِ عنك عظامي حينما صنعتُ في الرحم، أبدعتني هناك في الخفاء رأتني عيناك عَلَقَةً وجنينا وقبل أن تخلق أعضائي كُتِبَتْ في سفرك يوم تصورتها" {كتبت المزامير بما يزيد عن  500  سنة قبل الميلاد أي قبل الإسلام بما يزيد عن 1100 سنة}..

ألا ترى معي أن الإسلام لم يأت بجديد، بل أخذ عن الكتاب المقدس ما قاله قبل القرآن بما يزيد عن 2600 سنة ؟؟!! ".

الجواب:

قام القمص زكريا بطرس بتحريف في النصوص الذي استشهد بها، وحتى تتكون نظرة متكاملة للموضوع، سيتم نقل النص من العهد القديم:

أولاً: سفر أيوب [10/8-13]: يزعمون أن أيوب أخذ يعاتب ربه (!!) بما يلي:

" (8) قد كوَّنتني يداك وصنعتاني بجُمْلتي، والآن التفتَّ إليَّ لتسحقني! (9) اذكر أنك جبلتني من طين، أترجعني بعد إلى التراب؟ (10) ألم تصبني كاللبن، وخثرتني كالجبن؟ (11) كسوتني جلداً ولحماً، فنسجتني بعظام وعصب (12) منحتني حياة ورحمة، وحفظت عنايَتُك روحي (13) لكنك كتمت هذه في قلبك ".

بربط النص الصحيح من سفر أيوب بما سبق بيانه في الوجه الأول من نقد الشبهة، يتبين المقصود بعبارة " التخثير كالجبن "، وعلاقتها بنظرية " الجنين القزم ".

أي: دم الحيض سائل، وحين يلتقي به الحيوان المنوي يخثِّره كما تخثِّر الإنفحةُ الحليبَ (اللبن) فتجعله جبناً.

وكما أن المادة الرئيسة في تكوين الجبن هي الحليب (اللبن)، وما الإنفحة إلا كعاملٍ مساعدٍ في التخثير. فإن الحيوان المنوي ـ بحسب تلك النظرية المغلوطة ـ ليس له إلا دَور ثانوي في تكوين الجنين.

لكن الحق المجمع عليه أن لكل من الحيوان المنوي والبويضة دور مشيج (خليط) في تكوُّن الجنين، فكل منهما يحمل ثلاثة وعشرين زوجاً من الصبغيات (الكروموسومات)، بل للحيوان المنوي الدور الرئيس في تحديد جنس الجنين.[14]

وحين تسأل علماء أهل الكتاب عن تفسير عبارة " التخثير كالجبن " الواردة في سفر أيوب، تجد كتاب " التفسير التطبيقي للكتاب المقدس " ملتزماً الصمت !

بينما جاء في موسوعة " ينبوع الحياة " تحت عنوان : " خثر " ما يلي:

 " الكلمة بالعبرية: קָפַּא : جَعْلُ السائلِ جامداً ".

وأكدت ذلك " دائرة المعارف الكتابية " تحت مادة " خثر " : " خثر اللبن خثرًا وخثورًا: غلظ. وتضاف خميرة المنفحة إلى اللبن؛ ليتخثر وليصنع منه الجبن. ويقول أيوب:" ألم تصبني كاللبن وخثرتني كالجبن ؟ " ".

ثانياً: المزامير [139/13-16]: يزعمون أن داود أخذ يناجي ربه بما يلي:

" (13) لأنك أنت اقتنيت كليتيّ، نسجتني في بطن أمي (14) أحمدك من أجل أني قد امتزت عجباً، عجيبة هي أعمالك ونفسي تعرف ذلك يقيناً (15) لم تختف عنك عظامي حينما صنعت في الخفاء ورقمت في أعماق الأرض (16) رأت عيناك أعضائي وفي سفرك كلها كتبت يوم تصورت إذ لم يكن واحد منها ".[15]

أين: " صنعتني بإعجازك المدهش " ؟ و " الرحم " ؟ و " علقة " ؟ و " جنيناً " ؟

لقد قام بذلك التحريف؛ ليصرف الانتباه عن اتفاق النص المذكور أولاً (من سفر أيوب)، مع الفكرة المغلوطة حول الجنين القزم.

خاتمة البحث:

كلام البشر يعتريه النقص والخلل، فهو مبني على تجارب الناس وعلومهم، وفي هذه الدراسة مثال على الفرق بين الكلام الإلهي المحكم الذي لا يأتيه الباطل من لدن عليمٍ حكيم، وبين كلام البشر الذي يعتريه ما يعتري البشر من نقص في العلم.

كما تثبِت أنه لا كتاب كاملٌ سوى القرآن الكريم، كلام الله المعجز الذي لا يأتيه الباطل، بعكس ما سواه من الكتب التي تدخلت يد الناس لإصلاح أخطائها.

كيف لا ؟  والحق : " أنه لا يكتب إنسان كتابه في يومِه، إلا قال في غدِه: لو غيِّر هذا لكان أحسن، ولو زِيدَ لكان يُستحسن، ولو قُدِّم هذا لكان أفضل، ولو ترِك هذا لكان أجمل. وهذا من أعظم العِبَر، وهو دليل على استيلاء النقص على جُلة البشر".[16]

وفي الختام:

نصيحة توجه لمن يلجأ إلى المغالطة والتحريف في كتبه المقدسة؛ ليستر عورتها وليقينه بضعفها:

أنتم أحرار في نظرتكم إلى كتبكم والتعديل عليها وفق أهوائكم، لكن ابتعدوا عن توجيه سهامكم نحو القرآن الكريم؛ حرصاً عليكم لأنها سترتد إليكم يقيناً.

وصدق الله العظيم في وصفهم: (وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُم وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) [آل عمران: 69].

وَلِلَّهِ في كُلِّ تَحريكَةٍ       عَلَينا وَتَسكينَةٍ شاهِدُ"

وَفي كُلِّ شَيءٍ لَهُ آيَةٌ       تَدُلُّ عَلى أَنَّهُ واحِدُ [17]

(وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ"  مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ..) [الحج: 54].

(0) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية











Glitter Text Generator